تشرين
04/04/2013

آفاق.. سقْطُ المتاع

شأنَ اللغة ينقسمُ الناس: بين راضٍ بأن يكون معمولاً، باصطلاحات النحويين، وثان لا يرتضي غيرَ دور العامل، باصطلاحات النحويين أيضاً، في أيّ شأن كان، ومهما يكن من أمر الصفة التي ينجز عبرها ومن خلالها ما يشير إليه بوصفه قوّة فاعلة، لا منفعلة أو معطّلة بإرادة صاحبها أو بإرادة سواه.

وما بين العامل والمعمول تتردّدُ صفاتُ الحضور بالفعل والحضور بالقوّة، ومن ذلك في الحياة، كما في اللغة، الذاتُ المعرَّفةُ بنفسها والذاتُ النكرة التي لا يمكن لها أن تصبح معرفة إلا بإضافتها إلى معرفة، والذات الفاعلة والذاتُ التي يقعُ عليها الفعلُ، والجار والمجرور، والجملة وشبه الجملة، والتام والناقص، والزائد والشبيه بالزائد، وسوى ذلك ممّا يشير إلى حال التضاد أو المفارقة بين نموذجين من الوجود اللغوي، ومن ثمّ الإنسانيّ: أوّلٌ مكتملٌ بنفسه، وثانٍ مكتملٌ بسواه.
في «التعريفات» للجرجانيّ أنّ الإضافة حالة نسبية متكررة، بحيثُ لا تُعقَل إحداهما إلا مع الأخرى. وفي الحياة، شأنَ اللغة أيضاً، ينتمي بعضُ الناس إلى جنس المضاف إليه، فلا يحتاج إلى إضافة إلى آخر كي يكون لوجوده معنى، وينتمي بعضٌ آخرُ إلى جنس المضاف الذي لا يتحقّق معنى لوجوده إلا بوجود آخر يستكمل به نفسه. ومثَلُ ذلك مثَلُ المتن والهامش في الكتابة، فثمة إنسانٌ متنٌ يكتسب قيمته من وجوده بنفسه، وثمّة آخرُ هامشٌ يستمدّ وجوده من متن ينتسب إليه.
ومهما يكن صحيحاً أنّ في بعض المؤلّفَات العربية القديمة هوامش مثّلت إضافات إلى متون تلك المؤلّفات، ومن ثَمّ مثّلت بنفسها متوناً لهوامش جديدة، فإنّ الأكثر صحّة هو أنّه لولا تلك المتون/ الأصول لما كان لتلك الهوامش وجود، أيّ وجود.
وعلى الرغم من أنّ في كلا النموذجين خيراً، شأنَ المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف، فإنّه ما مِن خير، بكلّ تأكيد، فيمن ليس عاملاً ولا معمولاً، ولا مضافاً ولا مضافاً إليه، ولا متناً ولا هامشاً، أو ما يمكن الاصطلاح عليه بـ «العامول» الذي ليس له من صفات الأحياء سوى كونه ضدّ الميت فحسبُ، والذي يُمضي حياته، ثمّ يغادر الحياة كما لو أنّه لم يولَد، أو كما لو أنّه لم يعرف منها سوى ما يعرفه غير العاقل من الأحياء، أي بوصفه أحد تعبيرات «الأنا الدنيا» التي تكتفي من مفردات الحياة بما يعني الحاجات المشتركة بين العاقل وغير العاقل من كلّ ذي روح، ولعلّ ذلك الحيّ / الميت هو ما عناه الشاعر العربيّ القديم بصفة «سقْط المتاع» في قوله: «وما للمرءِ خيرٌ في حياةٍ / إذا ما عُدَّ من سقْط المتاع»، ولعلّه ما قصدت إليه معاجم اللغة بالقول إنّ «سقط المتاع» هو «النازلُ القَدْر، ومَن لا يؤبَهُ له».
ويبدو أنّ تاريخ البشرية مثخَنٌ بـ «سقط المتاع»، ليس على مستوى الأفراد فحسب، بل، أيضاً، على مستوى المجتمعات والدول والأمم التي يختزل حالَ الكثير منها المثلُ العربيّ القديم: «لا في أسفلِ القِدْر ولا في أعلاها»، أو ما كانت العرب اصطلحت عليه بـ «موهون القفَار»، وإلا فما معنى أن يكتفي التاريخ بتدوين أسماء العشرات، العشرات فحسب، من الأفراد في كلّ مجتمع، أو دولة، أو أمّة، وما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من المجتمعات، والدول، والأمم، من كلّ مرحلة من مراحل التاريخ؟ وما معنى أن يعبر الحياة ملايين الأفراد وعشرات المجتمعات والدول والأمم كأنّ أيّاً منهم فضلُ وجودٍ، أو فائضُ حالٍ، أو ليس له من كليهما، الوجود والحال، سوى الصورة فحسب، بل صورة الصورة أحياناً.  
وبعدُ، وقبلُ، وأبداً، فإنّ أسقطَ سقطِ المتاع ذاك الذي يرتضي بأن يكون أجيراً، وعند أجير أيضاً.