تشرين
09/08/2012

الشاعرة غادة فطوم في «امرأة من ياسمين».. القصيدة المتروكة على هواها

بعد أكثر من مجموعة شعرية ورواية واحدة حتى الآن تصدر الشاعرة السورية «غادة فطوم» مجموعتها الشعرية «امرأة من زهر الياسمين»-دار إنانا –دمشق.

تقع المجموعة في 112ص من القطع المتوسط وتضم اثنتين وعشرين قصيدة طويلة تحاول الشاعرة من خلالها الغور عميقاً في مفازات الذات الأنثوية وهمومها وإن كان الحب يشكل محوراً مهماً تدور حوله أغلب القصائد.
تتوسل الشاعرة عبر سرد مطول ومتروك على هواه الشعر مبتعدة تماماً عن لعبة التكثيف الشعري أو الجمل الشعرية القصيرة أو الضربة الخاطفة المدهشة وإنما تنحو وبشكل يبدو هاجسياً نحو الجمل الطويلة والحكائية السردية للحالة منشغلة بالوصف الشعري الداخلي لها مما يجعلها تبتعد عن متون الشعر لتسقط في هوامشه وذلك عبر سرد سلس يحسب لها، مشحون بدفق عاطفي وسيولة أنقذته ومن دون قصد على ما أعتقد من الوقوع في مطب النثر العادي الذي وقعت فيه أكثر من مرة.

مع ذلك لا يبدو الشعر قصياً أو نائياً بل تحاول الشاعرة وبشتى الوسائل الوصول إليه جاعلة من ذاتها كأنثى أولا وكشاعرة ثانيا محوراً للعالم حيث تنطوي النصوص على الكثير من النداءات والتلويحات وعلى الكثير من جرعات الأسى واللوعة والشوق الصادرة عن ذات أوجعها الشوق وآلمها الفراق والبعد، حتى بدا الحب بعيداً عن متناول المعنى لا بل فوق حدوده المترامية وبدا وكأنه طيف ما إن يظهر حتى يختفي ويركض خلفه، الحال كذلك بلا طائل بل مجرد سراب لكنهافي كل ذلك تصر على الرجل كمحور أساسي لهذا الحب محولة إياه إلى حالة ذاتية لكنها تتشابه مع حاله أعمّ لا تخرج فيها عن المألوف والسائد لا في الطرح ولا بطريقة هذا الطرح
.
تركز الشاعرة على الحب كقيمة إنسانية وكخلاص وحيد وأخير للعالم حولنا، حيث بدا الشر يدخل ويحتل المضيء في أرواحنا.... الحب كطريق وحيد للخلاص من كل ما يحيط بنا من دمار وخراب روحي ومادي لذا لا بد لنا من الحب لنستطيع على الأقل حين تضيق الأماكن وتقل أن نعيش في الفجوات المتاحة من حياة كل منا وذلك لن يكون إلا بالحب كما قالت يوماً الروائية البريطانية «ايريس مردوخ»
لذا يبدو النص قلقاً موتراً مستفزاً وكليا يريد الإحاطة بالعالم لا بل يحاول تسيجه مخافة الفقد والخسارة... مخافة الألم الذي لا طائل منه ولا جدوى منه سوى المزيد من الألم.
جئتك أقطف من حدود الكون
بذور روحي
ألملم خيوط الفجر لأشكل مدنا
لم تولد بعد
وأعيد تكوين الحياة
أعيد انشطاراتي
ألملمها.. أبعثرها... وأنشرها
فيخرج وجه الشمس معطرا بعبير الإله.
لا تهتم الشاعرة كمجايلاتها ممن كتبن قصيدة النثر بالولوج صوب اليومي والعادي والعابر والمتروك والمهمل ولا تهتم بالأشياء ومسمياتها أو لنقل الأشياء التي تشكل عالم الشاعر المحيط وتكون عالمه والتي كانت مجال شعرية القصيدة بالنسبة للكثيرين ممن كتبوا قصيدة النثر كما كانت في الوقت نفسه مجالاً آخر لاستسهالها ولم تهتم كثيراً بالكشف عن العلاقات الطارئة بين الكائنات والأشياء وبينها كذات شاعرة  وإنما انتبهت إلى العوالم الداخلية المشحونة بالعاطفة وبدفقها مهما كان نوع الموضوع الذي تتناوله تاركة الجملة تنساب على هواها من دون أي تشذيب وبعيدا عن أي تقشف لغوي وكأنها تريد أن تترك القصيدة على بريتها وبكل وعورتها تاركة للقارئ مهمة الاستقراء والاستكشاف والبحث عن طرق تؤدي ما تريده القصيدة في ذهن المتلقي
لذا لم تهتم الشاعرة كثيراً بالبلاغة اللغوية أو الاستعارات بل ركنت إلى المطلقات واليقين التام في اللغة وفي الطرح ولكنها في محاكاتها لهذا المطلق استفزت أسئلة كثيرة عن الخراب الاجتماعي والنفسي وحالات الفصام عن الذات في المجتمع محاولة تحقيق وجودها الحقيقي في النص الموجود الذي لم يكن ليتحقق في مجتمع يأكله دود الخراب في عالم ينهار ويذوي.
جئتك بياسمين روحي.. وبعض
من الشفق المهاجر تعبا.. تعبا
من رحيل هواء القمر
وعلى زهوة النسغ المسافر
بين تخوم المجرة
أعلن عن ضفاف جديدة.
تهرب الشاعرة إلى الكلام ليبدو البوح أسلوبها وغايتها لتعمر منه بيتاً بين الضباب.. بيتاً تسكنه القصيدة.. وحديقة تحاول تشجيرها بالشعر... بيتاً تسكنه امرأة من ياسمين.
الصور:
  • ل.jpg