تشرين
07/06/2012

المشهد الروائي النسوي السوري32..صاحبات الرواية الواحدة

غادة فطوم في روايتها «كنا هناك» المكان جغرافيا شعورية

لم يكن همّ الشاعرة غادة فطوم على الأغلب كتابة رواية، بقدر ما كان همها أن تحكي الحكاية في روايتها الوحيدة حتى الآن «كنا هناك» الصادرة عن دار الرواية للنشر - دمشق -2011

وذلك عبر روي حكايتين أولاً: حكاية كل من خرج من أراضي الجولان المحتل وتشرد وبقي ذلك الإحساس بالقهر داخله بأنه طرد من بيته وسلبت أرضه وأحلامه وذكرياته، وثانياً: حكاية المكان بما حشد داخله أيضاً من ألم وقسوة وهي هنا تحاول أن توجد تعالقات بين مكانين، المكان الذي سمعت عنه الحكاية وروتها، والمكان الحقيقي بما يحشد من جغرافيا وشعور وقد حاولت أن تعكس ذلك عبر إيجاد لغة مشتركة بين الاثنين بذلك الإحساس الدفين وتلك النغمة المستحبة وذلك المناخ الذي يتيح للقارئ أن يرى ما لا يمكن أن يراه ويسمع كل الأصوات لكل الذين عاشوا وذهبوا، وأن يقرأ تالياً كل التواريخ التي احتلت ذلك المكان وأضافت إليه ويشعر إثر ذلك أنه في مكان له صلة بروحه وبتاريخه وبتكوينه الاجتماعي.

أم أسعد

اختارت الكاتبة أم أسعد «سكيبة» بطلة لروايتها ورمزاً لكل الذين خرجوا من بيوتهم مجبرين في تناص لا يخفى بين المرأة والأرض كمعادل للعطاء والخصوبة فأم أسعد امرأة سورية من الجولان امرأة لم تلتصق إلا بأرضها التي شربت منها العزم والقوة والصبر والكرم وكل ما في الأرض من نقاء فكان من الصعب الفصل بين ذرات الهواء وروح أم أسعد ومن الصعب أيضاً التفريق بين أنفاسها وأنفاس كل قرية امتدت مع عروقها وسواقيها ومياهها لذا كان رحيلها عن منزلها قد ارتبط بشيء ما داخلها شيء لا يمكن لأحد أن يتحسسه سواها وهذا ما اشتغلت عليه الكاتبة على طول الرواية محاولة إيصال هذا الإحساس الذي بقي يربط أم أسعد بكل ذرة من تراب الجولان حيث ولدت وعاشت وتزوجت وأنجبت.
تسرد الكاتبة بعمليات فلاش باك متلاحقة سيرة أم أسعد فمن جباتا الزيت حيث ولدت إلى جباتا الخشب حيث تزوجت وأنجبت أولادها ومن ثم الحرب والنزوح من الأرض باتجاه الأحياء العشوائية في دمشق، من البيوت الواسعة والبساتين الممتدة المزروعة بالتفاح إلى بيت في السبينة تتشارك فيه مع عوائل نازحة أخرى إلى أن يتم الاستقرار في بيت متواضع في الزاهرة حيث فارقت الحياة.

أرض الجولان

أم أسعد لم تستطع أن تنسى يوماً ما تعرضت له خلال حياتها وخلال تطوافها في أرض الجولان والضفاف التي حطت فيها لم تنس قصة نزوحها الأول واستشهاد والدها برصاصة العدو أمام عينيها لم يغب عن ذهنها أبداً لحظة دمر العدو جباتا الزيت وأباد كل من فيها وحولها إلى خراب أو حين دمر أيضاً بيتهم في جباتا الخشب وأخرجوهم منه عنوة وخسارتها للأقمار التي كان يلدها التنور فيندفع أولادها صغاراً ويتسابقون في الوصول إليها لينال كل منهم قمراً يتناوله بين يديه وقبل كل هذا وذاك ولاداتها المتكررة وعذاب المخاض شتاؤه وصيفه ربيعه وخريفه، وهي والحال كذلك تضيء ذاكرتها وتخلق حياة بديلة تعيدها إلى تلك اللحظات التي تجمدت وإلى الأبد في عينيها الدامعتين.

رفضت أم أسعد الواقع وخرابه وبؤسه وعقم انتظار العودة لذا بدأت تهرب إلى مدن الذاكرة المضيئة فدخلت في غيبوبة لم تخرج منها إلا لتدخل في غيبوية أخيرة وربما لتعود روحها إلى جباتا الخشب وجباتا الزيت وكفر تفاح ومسعدة...إلخ وهنا لعبت الكاتبة لعبتها في استعادة تفاصيل حياة أم أسعد وعلاقتها بأرضها وأولادها وأحفادها وإصرارها على التمسك بكل ما يمكنه أن يشكل بصيص أمل لعودة مرتقبة، هذه العودة التي لم تستطع أن تعودها حملتها لصديقة حفيدها أحمد «وفاء» التي قررت ألا تهرب من الواقع بل حاولت مجابهته فذهبت للعمل ممرضة أثناء الحرب والتي أوحت لنا الكاتبة أنها استشهدت وما فقدان كل أوراق أم أسعد وصور ذكرياتها وكل من أحبت وحتى مفتاح البيت في جباتا الخشب إلا دلالة على تسليمها إلى وفاء التي أعلنت رغبتها في التطوع مع الفدائيين وما رؤية أحمد لجدته وبجانبها وفاء في فستان العرس من خلف الأسلاك الشائكة يلوحان له من الجولان إلا دلالة على ذلك.

حروب

تمر الكاتبة في الرواية على أحداث كثيرة منها حرب حزيران  وحرب تشرين وكذلك الاجتياح الإسرائيلي للبنان.... لتربط أي حدث سياسي بذاكرة أم أسعد وأملها بالعودة إضافة إلى أنها تفرد الأمكنة وتتحدث عنها بوصف وإسهاب بالتسمية فنتعرف على أسماء قرى كثيرة في الجولان وأماكن وقلاع أثرية كقلعة الصبيبة أجمل قلاع جباتا الزيت وقلعة النمرود.
وهي في ذلك كله لا تبدو منشغلة كثيراً بتقنيات الرواية بقدر انشغالها بتوصيف الحالة شعورياً ومكانياً وإن لعبت أكثر من مرة على تفتيت الزمن وقصه ولصقه وتقسيم الرواية إلى أقسام أو بالأحرى تسمية الأجزاء: بدايات، أوليات، تجليات المسافة، جولان أحمد.
تغرق الكاتبة الرواية في الوصف وتتدخل أحيانا لتعطي رأياً ما أربك الرواية في أماكن كثيرة وجعل خيط السرد يفلت منها في أثناء محاولة جادة لإغنائه.
حرصت الكاتبة على اختيار الأسماء بما تحمله من دلالة داخل النص الروائي فالاسم تحديد للكينونة ووصف يأخذ لدى الناس طابع التخير الاعتباطي لأنه يسمي الأشياء أو يجترح لها دلالة محددة يمكن بشكل من الأشكال أن تفصح عن رؤية معينة لما في النفس وما حولها ولكنه أخذ هنا طابع الاختيار المدروس الذي تتطلبه الشخصية الروائية لأنه والأمر كذلك تمثل لقيمة محددة تشير إلى مسماها من دون مطالبة مسبقة لها بأن تدل عليه بقوة وجودها لذا فالاسم توكيد لخصوصية ذات طابع مترسخ من الدلالة المتواترة لما اختير له دالاً ينطق بمدلول بحسب الناقد محمد قرانيا.
الصور:
  • 114.jpg